سيد محمد طنطاوي

325

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ ، ولَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وأَكْبَرُ تَفْضِيلًا « 1 » . والذي نراه أن عودة الضمير « هم » على الفريقين أقرب إلى الحق ، لأن تفاوت الدرجات موجود بين الأخيار كما أن تفاوت العقوبات موجود بين الأشرار ، فالذين أدوا جميع ما كلفهم اللَّه به من طاعات ليسوا كالذين اكتفوا بأداء الفرائض . والذين انحدروا في المعاصي إلى النهاية ليسوا كالذين وقعوا في بعضها . وقوله * ( عِنْدَ اللَّه ) * أي في حكمه وعلمه وهو تشريف لهم والظرف متعلق بدرجات على المعنى ، أو متعلق بمحذوف وقع صفة لها . أي درجات كائنة عند اللَّه . وقوله * ( واللَّه بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ) * أي مطلع على أعمال العباد صغيرها وكبيرها ظاهرها وخفيها ، لا يغيب عنه شيء ، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه على حسب عمله ، بمقتضى علمه الكامل ، وعدله الذي لا ظلم معه . وبعد أن نزه اللَّه - تعالى - نبيه صلى اللَّه عليه وسلَّم عن الغلول وعن كل نقص ، وبين أن الناس متفاوتون في الثواب والعقاب على حسب أعمالهم . . بعد أن بين ذلك أتبعه ببيان فضله - سبحانه - على عباده في أن بعث فيهم رسولا منهم ليخرجهم من الظلمات إلى النور فقال - تعالى - : * ( لَقَدْ مَنَّ اللَّه عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) * . قال الرازي : قال الواحدي : « لمن في كلام العرب معان : أحدها : الذي يسقط من السماء ، وهو قوله : وأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ والسَّلْوى . وثانيها : أن تمن بما أعطيت كما في قوله لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ والأَذى . وثالثها : القطع كما في قوله وإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ ورابعها الإنعام والإحسان إلى من لا تطلب الجزاء منه - وهو المراد هنا » « 2 » . والمعنى : لقد أنعم اللَّه على المؤمنين ، وأحسن إليهم * ( إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) * أي بعث فيهم رسولا عظيم القدر ، هو من العرب أنفسهم ، وهم يعرفون حسبه ونسبه وشرفه وأمانته صلى اللَّه عليه وسلَّم . وعلى هذا المعنى يكون المراد بقوله * ( مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) * أي من نفس العرب ، ويكون المراد بالمؤمنين مؤمني العرب ، وقد بعثه اللَّه عربيا مثلهم ، ليتمكنوا من مخاطبته وسؤاله ومجالسته والانتفاع بتوجيهاته .

--> ( 1 ) سورة الإسراء الآية 21 . ( 2 ) تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 87 .